السيد محمد الصدر
46
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
الحرية نفسها ، فإن معنى الحرية بالنسبة إلى الفرد هو أن يقول ويفعل ما يشاء ، وكذلك فإن الحرية تعني أيضاً توفر هذا المبدأ نفسه بالنسبة إلى الجميع ، ومن هنا تتصادم مصالح الأفراد وحرياتهم ، مما يضطر المشرع إلى وضع الحدود والسدود أمام الحرية ليسود الأمن ويستتب النظام ، وذلك بتقييد حرية كل فرد بما لا يتعارض وحرية الآخرين . ومن ذلك نفهم أن هذه القاعدة قاعدة صحيحة ولا بد من تشريعها في المجتمعات الإنسانية ، ولكن هذه القاعدة لا تعني إلا تقييد الحرية ووضع السدود أمامها . وليس الادعاء بأنها قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الحرية ، إلا إدعاءاً فارغاً لا معنى له . نعم هي قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الأمن والنظام والأخلاق . وحيث عرفنا أن المجتمع لا يمكن أن تتيسر الحياة فيه إلا في ضمن قيود وآداب تحدد سلوكه ، وتضبط أقواله وأفعاله ، فالمشرع الحاذق - كما سبق أن أشرنا إليه في مناقشة المادة الأولى - هو الذي يضع هذه الحدود بالشكل العادل الذي يضمن به أكبر قدر ممكن من الوفاق والوئام ، وليس هو المشرع الذي يقتصر على أقل قدر ممكن من القيود ، لأن في هذا الاقتصار أخطاراً ومحاذير تنتج أموراً فاسدة ومضرة بالمجتمع ، تلك المفاسد التي لا تزال الإنسانية تنوء بثقلها إلى الآن في أكثر المجتمعات البشرية . ومن هنا نرى الإسلام لم يكتفِ بوضع هذا القيد وحده على الحرية ، لأنه رأى بثاقب نظره أنه غير كاف لتهذيب الفرد وصقل نفسه وسلوكه ، فليس من الحكمة أن يطلق عنان الفرد في خلال عدم مساسه بحقوق الآخرين ، فإن ثمة أفعالًا يقوم بها الفرد وليس فيها أي اعتداء على حقوق الآخرين ، في حين أن لها النصيب الأوفر في التأثير السيئ على تهذيب الفرد وصفاء نفسه وجمال سلوكه . بالإضافة إلى ما يمكن أن تخلفه من آثار سيئة في الناحية العقلية أو